المظلومية الذكورية في تحليل البحث الوطني عن الأسرة المغربية : عن «مأساة الرجل المغربي»

Issue II •by @psyaumaroc • 2026-05-01

قرأت مقال «صوت المغرب» حول «مأساة الرجل المغربي» باهتمام ودهشة. لا لأنني أنكر ألم الرجال؛ فأنا، بحكم مهنتي، أصغي يوميًا إلى هشاشتهم وقلقهم وثقل الأدوار التي تُلقى على أكتافهم. لكنني أرفض أن تُقرأ تحوّلات الأسرة المغربية بعين واحدة: عين ترى انكسار الرجال بوضوح، ولا تمنح النساء الحق نفسه في تسمية وجعهن داخل المؤسسة ذاتها.

Artwork by IG:@moreofselma ↪

لا نكاد نرى في هذا المنبر قراءات نسوية، أو مقاربات أقرب إلى التجربة النسائية لهذه التحولات. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أين صوت النساء في «صوت المغرب»؟ أم أن الصوت، حين يتعلق الأمر بالأسرة، يضيق حتى يصير صوت الرجل وحده؟ أكتب هذا النص كحقّ ردّ، لا رغبة في خصومة، بل رفضًا لاختزال الأسرة في سردية واحدة. فالأسرة لا تخص الرجال وحدهم، ولا تُبنى أو تتصدع من جهة واحدة.

وقد استوقفني استعمال لفظ «النسوانيين». وأغراني هذا الانزلاق اللفظي بالتحليل النفسي ؛ فاللغة لا تكشف فقط ما نقوله، بل تفضح أحيانًا ما نحاول مواراته. حين تُستعمل كلمة مشحونة بالازدراء بدل «النسويات» أو «النسويين» أو الحركات النسائية، لا نكون أمام توصيف بريء، بل أمام نظرة مسبقة ترى في المطالبة بالمساواة تهديدا قبل أن تراها سؤالا اجتماعيا مشروعا.

يقول المقال إن الرجل المغربي صار «مخصيًا»، فقد سلطته ولم يحتفظ إلا بتهمتها. لكن إن كان هذا توصيف الفقد الذكوري، فماذا نقول عن النساء؟ عن العنف، والهشاشة الاقتصادية، والعمل المنزلي غير المرئي، والوصم بعد الطلاق، والضغط الإنجابي، وكلفة الجسد، والتربية، والسمعة، والإنفاق أيضًا؟ هل نملك الجرأة نفسها لنسمّي مأساة النساء، أم أن وجعهن صار عاديًا لأنه قديم ومألوف؟

الحقيقة أننا جميعًا نرتدي غشاوات جندرية. كل طرف يرى خسارته أوضح من خسارة الآخر. الرجال يرون ثقل النفقة، والنساء يعشن ثقل الرعاية والنفقة أيضا... الرجال يتحدثون عن الكلفة الاقتصادية، والنساء يحملن كلفة العاطفة والجسد والعمل غير المحتسب. لذلك، لا يكفي أن نسأل: من خسر أكثر؟ بل علينا أن نسأل: من صنع هذا النظام الذي يجعل الجميع يدفع ثمنه، كلٌّ بطريقته/ها؟

وحين يقال إن الرجال يريدون زواجا أفقيا بينما تبحث النساء عن صعود عمودي، فالأجدر أن نوسّع السؤال لا أن نضيّقه. إن كنا نريد الأفقية فعلًا، فعلينا أن ننتقد النظام العمودي نفسه: الاقتصاد، الطبقات، البطالة، الهشاشة، غلاء السكن، وغياب شروط العيش الكريم. لا معنى لاتهام النساء بالبحث عن النجاة، ونحن نتجاهل بنية رأسمالية متوحشة تدفع الجميع إلى النجاة الفردية بدل العدالة المشتركة.

فالرجل لا يرهقه ما تطلبه المرأة، بل يرهقه نظام جعله مرادفًا للإنفاق. والمرأة لا تبحث دائما عن “الارتقاء” بدافع الانتهازية، بل لأنها تعيش داخل واقع يجعل الأمان امتيازا نادرا. لذلك، بدل محاكمة النساء أو النسويات، لنسائل البنية نفسها: لماذا صار الزواج مشروعا اقتصاديا مرهقا؟ ولماذا صارت الكرامة العاطفية مشروطة بالقدرة المالية؟ ولماذا لا نكاد نتخيل أسرة خارج ثنائية: رجل يدفع، وامرأة ترعى؟

إن الحديث عن معاناة الرجال مشروع وضروري، لكنه يفقد نبله حين يُبنى على محاكمة النساء. لا نحرر الرجل من عبء الرجولة التقليدية ونحن نحمّل المرأة مسؤولية انهيارها. ولا نطالب بعلاقات أفقية بينما نتمسك بامتيازات عمودية داخل البيت والمجتمع.

ما نحتاجه ليس رثاء «السي السيّد»، ولا إعلان مأساة الرجل في مواجهة المرأة. نحتاج شجاعة فكرية أوسع تعترف بأن الأسرة المغربية تعيش أزمة عميقة، وأن هذه الأزمة لا تُقرأ بعين واحدة. فالمرأة ليست سبب سقوط الرجل وكلاهما محكوم/ة، بدرجات مختلفة، ببنية اقتصادية رأسمالية وباترياركية جعلت من الزواج ساحة تفاوض قاسية بدل أن يكون فضاء عدالة واعتراف.

لذلك، قبل أن نقول إن الرجل المغربي «مخصيّ»، لنسأل: ماذا عن النساء اللواتي حُرمن طويلًا من الصوت، والقرار، والراحة، والأمان؟ وقبل أن نتهمهن بأنهن لا يردن الأفقية، لنسأل: هل بنينا أصلًا مجتمعًا أفقيًا؟ أم أننا نطلب من العلاقات أن تكون عادلة داخل نظام غير عادل؟

لا أُكثر من الرد على هذا النوع من الخطابات، لأن بعض الكلام يكتسب من الرد عليه مقامًا لا يستحقه. لكن حين يأتي من منبر قريب من القلب، يصبح الصمت أثقل من الكلام، ويغدو حق الرد ضرورة لا ترفًا.

المأساة ليست مأساة الرجل. المأساة أن نواصل قراءة الأسرة بمنطق المظلومية لا بمنطق الفهم. ومنح المعاناة مكانتها الحقيقية يقتضي مقاربة أكثر اتساعًا وتركيبًا، ترى تعدد العوامل وتشابكها، بدل أن نختزل الألم في عين واحدة وصوت واحد.

The New Morocco
Critical thought, creative expression, and interdisciplinary inquiry
Exploring Morocco's place in the world.